منتدى خاص لمتخرجي وطلاب جامعة الإمام الأوزاعي , ومنبرٌ للتعبير عن أرائهم , وصالةٌ للتعارف فيما بينهم

انتباه لكل الأعضاء : يجب بعد التسجيل الرجوع إلى بريدك وإيميلك للتفعيل , فبغير التفعيل من الإيميل لا تستطيع الدخول لمنتداك وإذا كان بريدك الهوتميل أو الياهو فقد تجد الرسالة بالبريد المزعج             نعتذر عن أي اعلان في أعلى وأسفل الصفحة الرئيسية فلا علاقة لنا به               يُرجى من جميع الأعضاء المشاركة والتفاعل في هذا المنتدى لأنه يُعد بحق مكانا للدعوة والإرشاد                شارك ولو بموضوع ينفعك في دراستك وفي دنياك وفي أخراك                 كوّن أصدقائك في كليتك وفي سنتك وليكن المنتدى هو بيتك الثاني وليكن الطلاب هم أصدقائك وإخوتك              استفد ... وساعد ... واكتب ... وارتق بنفسك وبمن حولك فقد صار لك مجال للتعبير والتبيين والدعوة             لا تخف من الخطأ في الكتابة .. بيّن بحرية مطلقة وجرأة طالب العلم واعلم بأن هناك من يقرأ لك وسيوجهوك للصواب                   لا تكن عالة وضعيف الهمة .. فالانترنت أصبح اليوم من ضروريات الحياة والعلم ..              هيا نحن بانتظار مشاركاتك ولو بالإسبوع مقالا وموضوعا أو ردا على مساهمة .             

الصفحة الرسمية للجامعة على الفيس بوك

المواضيع الأخيرة

» اقتراحات ونقاشات
الخميس أغسطس 06, 2015 12:58 am من طرف Ranin habra

» أسئلة امتحانات للسنوات 2012 وما بعد
الخميس يوليو 30, 2015 2:17 pm من طرف محمد أحمد الحاج قاسم

» أسئلة سنوات سابقة
الجمعة يوليو 03, 2015 6:20 pm من طرف مهاجرة سورية

»  النظم السياسية
الأربعاء يونيو 24, 2015 5:33 pm من طرف مهاجرة سورية

» اسئلة الدورات
الأربعاء مايو 27, 2015 7:17 pm من طرف بلقيس

» السؤال عن برنامج الامتحانات لسنة 2015
الثلاثاء مايو 19, 2015 3:41 am من طرف Abu anas

» يتبع موضوع المسلمون بين تغيير المنكر وبين الصراع على السلطة
الإثنين مايو 04, 2015 5:01 pm من طرف حسن

» المسلمون بين تغيير المنكر والصراع على السلطة
الأحد مايو 03, 2015 1:42 pm من طرف حسن

» ما هو المطلوب و المقرر للغة العربية 2
الثلاثاء أبريل 21, 2015 7:47 am من طرف أم البراء

» طلب عاجل : مذكرة الاسلام والغرب ( نحن خارج سوريا)
السبت مارس 14, 2015 3:50 pm من طرف feras odah

» مساعدة بالمكتبة الاسلامية
الخميس فبراير 26, 2015 2:32 pm من طرف ام الحسن

» هنا تجدون أسئلة الدورات السابقة لمادة الجهاد الإسلامي
الجمعة فبراير 20, 2015 8:55 pm من طرف راما جديد

» للسنة الثالثه __اصول الفقه الأسلامي3 )) رقم 2
الخميس فبراير 12, 2015 1:16 am من طرف Amir Antap

» محركات مواقع البحث عن الكتب والرسائل الجامعية
الأحد فبراير 08, 2015 11:20 pm من طرف Amir Antap

» (((((الحركات الباطنيه 3)))) حمل وأستمتع مع التلخيص
الأحد فبراير 08, 2015 10:35 pm من طرف Amir Antap

هااااااااااااام لجميع الأعضاء

 

الرجاء من جميع الأعضاء
كتابة كل موضوع بقسمه المحدد وشكرا

    يتبع موضوع : قراءة عصرية في السياسة الشرعية

    شاطر

    حسن

    الهاتف دوليا : 0
    الكلية : دراسات إسلاميةضيف
    طالب أو ضيف : ضيف
    السنة الدراسية : اكتب سنتك الدراسية هنا . أو أنك ضيفضيف
    الجنس : ذكر العمر : 47
    نقاط : 1394
    تاريخ التسجيل : 22/03/2014

    يتبع موضوع : قراءة عصرية في السياسة الشرعية

    مُساهمة من طرف حسن في الجمعة يناير 30, 2015 3:13 pm

    الباعث الثاني : كثرة الفسق والعصيان

       ومن بواعث الإسقاط : فقدان صفات العدالة في السلوك الشخصي بارتكاب المحرمات التي بين العبد وربه ، وقد تقدم رأي العلماء في اختيار الفاسق حاكما لهم ، فإذا اختاروا من تتوفر فيه الصفات ثم كانت منه انحرافات في بعضها فإن الحكم يختلف بين قلة وقوعه منه وبين كثرته ، كما أنه يختلف بين من يتيسّر لهم معرفة حاله وبين غيرهم ، فمن يتيسر عليهم تجب عليهم أمور أولها : كراهة تلك الأعمال منه فلا يقتدون به فيها ، والثاني : نهيه عن عمله ذلك إن علموا أن ذلك لا يضرهم ، لقوة علاقتهم به أو لقوة نفوذهم في ذلك البلد ، والثالث : البقاء على السمع والطاعة ، ومن عداهم من الناس غير القريبين منه فالأمر بتغيير ذلك المنكر غير موجه لهم ، لأن الحكم مربوط الحكم برؤية المسلم للحاكم يفعل المعصية.
       جاء في حديث عوف بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :   " ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعة " فقوله : " فرآه " صريح في عدم الحكم إلا مع التيقن من فعل المعصية ، وعبر العلماء عن حرمة عزله للفسق والظلم بعدة أساليب ، ففي شرح حديث : " وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه " من عمدة القاري جاء ما يلي : " وفيه دليل على أن السلطان لا ينعزل بالفسق والظلم ، ولا تجوز منازعته في السلطنة بذلك " وهذا الحكم مجمع عليه ، جاء في المنهاج للنووي : " وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق ".
       وهذا ما لم يكن فسقه بما هو كفر ، فإن فسق بما هو كفر وجب عزله فورا ، وأما إن لم يكن فسقه مكفرا فالحكم يختلف بين من يكثر فسقه ومن لم يكثر ، فإن لم يكثر منه فأمره مغتفر لأنه بشر ، وإن كثر وصار عادة له فهنا ينظر المسلمون هل يمكن التخلص منه دون دماء وفتنة أوْ لا ، إن أمنوا ذلك فعزله واجب ، وإن لم يأمنوه فلا يجوز لهم اتفاقا ، جاء في الإكمال للقاضي عياض : " لا يجوز الخروج على الإمام العدل باتفاق ، فإذا فسَق وَجَارَ فإن كان فسقه كفراً وجب خلعه ، وإن كان ما سواه من المعاصي فمذهب أهل السنة أنه لا يخلع ، واحتجوا بظاهر الأحاديث ، وهى كثيرة ، ولأنه قد يؤدى خلعه إلى إراقة الدماء وكشف الحريم ، فيكون الضرر بذلك أشد من الضرر به " ثم قال بعده بقليل : " فإذا طرأ مثل هذا على وال من كفر أو تغير شرع أو تأويل بدعة : خرج عن حكم الولاية ، وسقطت طاعته ، ووجب على الناس القيام عليه وخلعه ونصب إمام عدل أو والي مكانه إن أمكنهم ذلك ، وإن لم يتفق ذلك إلا مع طائفة وفتنة وحرب فيجب القيام بذلك على الكافر ، ولا يجب على المبتدع إذا لم يتخيلوا القدرة عليه ، ويجب في المبتدع إذا تخيلوا القدرة عليه ، فإن تحققوا العجز عنه فلا يجب القيام وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفر بدينه ".
       لقد ترك البلدان العربية بعض أبنائها وانتقلوا للإقامة في غيرها ، ولا يصدق عليهم أنهم مهاجرون لأنهم لم يخرجوا غضبا لله ورسوله بل غضبا من حكومة اتخذت قرارات لا يعجبهم ، والواجب طاعتها فيها كما تقدم ، وكلام القاضي عياض هذا إنما هو عن حاكم لم يكفر ، ولم يغير في الشرع ، ولم يبتدع ، فلو كفر كفرا صريحا أو غير في الشرع أو ابتدع وجب على العلماء أولا : أن يبينوا ذلك للناس ثانيا : الدعوة لإسقاطه قبل الخروج بزمن يكفي لإقناعهم برأيهم فلا يصطدمون ببعضهم ، ثالثا : إسقاطه ولو بالقوة.
       وطروء الفسق المكفر المذكور في الإكمال أن يعلن أنه ترك الدين الإسلامي واعتنق دينا آخر ، وتغيير الشرع يكون بتبديل الأحكام الشرعية المنصوص عليها في القرآن أو صحيح الحديث ، كالتسوية بين الذكور والإناث في الإرث بزعم المساواة بين الناس.
       وليس منه اتخاذ قرارات لتسيير المجتمع في الشأن السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي لا يتقبلها الناس ، وقد تقدم قول العلماء بفسخ عقد إجارة المحال التجارية إذا منعت الحكومة من التجارة ، ومنه : نهي عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن نكاح المتعة ، فذلك ليس من تغيير الشرع بل من قبيل تدبير ما فيه مصلحة للمسلمين في الشأن الاجتماعي ، ومنه منعه من نكاح الكتابيات الذي أباحه الدين ومنع منه عمر حماية لبنات المسلمين من العنوسة بعزوف الرجال عنهن وتفضيل نكاح الكتابيات ، ومنه أيضا وقفه سهم المؤلفة قلوبهم في مصارف الزكاة المنصوص عليه في القرآن ، فهو كذلك ليس تغييرا للشرع الإسلامي الحنيف بل من صميم عمله في تدبير الشأن الاقتصادي ، فالسلمون كانوا ذات يوم في حاجة للمؤلفة قلوبهم ، ولما قوي الإسلام لم يعودوا في حاجة لهم فأوقف سهمهم ، ولو عادت الحاجة لهم عاد لهم نصيبهم .... وهكذا كل ما تأمر به حكومة من الحكومات من أوامر لا يقبلها الناس فإن ذلك لا يعتبر تغييرا للشرع إلا ما كان مخالفا للدليل ، وما عداه فلا ، سواء قبل الناس ذلك ورضوا به أم لا.
       وأوضح محمد رشيد رضا في كتاب الخلافة حكم ولي الأمر إذا فسق فقال : " اختلف العلماء في مدي اعتبار الفسق من الأسباب التي توجب عزل الإمام والخروج عليه على مذهبين ، الأول : أن الفسق يوجب عزل الأئمة ويفرض الخروج عليهم ، وهو مذهب الخوارج والمعتزلة والزيدية وبعض أهل السنة الثاني : أن الفسق لا يمنع استدامة الإمامة ولا يجوز الخروج على الأئمة بالفسق ، لما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء ، وهو إجماع أهل السنة ".
       وعن بيان أن مراعاة الأمن من الفتنة أمر واجب قال : " ويلاحظ أن من هذا الفريق من أجاز العزل إلا لفتنة ، أي إذا لم تكن المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه ، ومنهم من أطلق القول بالمنع ولم يشر إلى هذه الموازنة فكأنه اعتبر أن مفسدة العزل أرْبَي ( أعظم ) دائمًا من مفسدة الصبر ، قال القاضي عياض فيما نقله عنه النووي رحمه الله : ولا تنعقد لفاسق ابتداء ، فلو طرأ على الخليفة الفسق قال بعضهم يجب خلعه إلا أن تترتب عليه فتنة وحرب " وأضاف " وقال جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين : لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق ، ولا يخلع ، ولا يجوز الخروج عليه بذلك ، بل يجب وعظه وتخويفه ، للأحاديث الواردة في ذلك ".
       فانظر كيف ربط هؤلاء الأعلام بين القول بإباحة العزل وبين الأمن مما ذكر ، وما يحدثه حاكم أي بلاد في أي مجال من مجالات الحياة من غير المألوف في المجتمع ليس ردة ولا تغييرا لشرع الله سبحانه ، ولا بدعة توجب على الناس خلعه ، ولا يشمله هذا الكلام ، وهو من صميم عمله كحاكم مسلم.
       وإزاء هذه الأمور الواجبة من نهيه ووعظه والصبر عليه هناك أمر محرم بالإجماع وهو الخروج عليه وعزله لهذه الأسباب إذا ظنوا وقوع قتال بينهم ، هذا ما صرح به العلماء ، جاء في شرح البخاري لابن بطال " وأما دون ذلك (أي الكفر الصريح) من الجور فلا يجوز الخروج عليهم إذا استوطأ أمرهم وأمر الناس معهم ، لأن في ترك الخروج عليهم تحصين الفروج والأموال وحقن الدماء ، وفى القيام عليهم تفرق الكلمة وتشتت الألفة " وفي المنهاج عند شرح حديث عبادة : وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا قال النووي : " ومعنى الحديث : لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم ، إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام ، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيثما كنتم وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين ".
       وبعض العلماء ومعظم المثقفين يضيقون ذرعا بالحديث عن إجماع العلماء ، لأن العلماء مهما كثر عددهم لا يعتبر رأيهم ملزما للمسلمين اليوم ، وبالتالي فلا معنى لإيراد الإجماع في معرض الاستدلال على مثل هذه المسائل ، ومن حق المسلم أن يسأل هؤلاء ( الأفذاذ من المثقفين المعاصرين !! ) عندما تخالفون أقوالهم هل ستتبعون دليلا شرعيا أم ستتبعون أهواءكم وآراءكم ؟ معلوم أنه لا دليل تتبعونه مع مخالفة الإجماع ، فلو كان هناك دليل لما وجد إجماع ، وإن كنتم تتبعون أهواءكم فأنتم قوم ضالون بإباحتكم اقتتال أمة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل توافه دنيوية مهما كانت أهميتها في نظركم.
       كما أنه تجدر الإشارة إلى الخطإ العلمي الذي وقع فيه بعض العلماء هنا ، حيث استدل بكلام القاضي عياض المتقدم للدعوة للخروج على القذافي والأسد وغيرهما ، وهذا خطأ واضح وفادح ، فرأيه هذا يجوز الأخذ به حين يعلمون أن العزل لن يفضي إلى سفك دماء ووقوع فتنة ، لما تقدم في قوله : " ولأنه قد يؤدي خلعه إلى إراقة الدماء وكشف الحريم فيكون الضرر بذلك أشد من الضرر به " وتقدم نحوه عن ابن حجر أما مع ظن الفتنة فحرام قولا واحدا.
       وبما أن المعاصي نوعان كفر وغير كفر فقد يرد سؤال عن المنازعة المأذون فيها في المعصية غير الكفرية والمأذون فيها في المعصية الكفرية ، وهذا يوضحه ما جاء في فتح الباري وهو قوله : " والذي يظهر حمل رواية الكفر على ما إذا كانت المنازعة في الولاية (في المنصب) فلا ينازعه بما يقدح في الولاية إلا إذا ارتكب الكفر ، وحمل رواية المعصية على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية ، فإذا لم يقدح في الولاية نازعه في المعصية ، بأن ينكر عليه برفق ويتوصل إلى تثبيت الحق له بغير عنف ، ومحل ذلك إذا كان قادرا " وعليه فمنازعته في المعصية غير الكفرية تكون فيما دون العزل من منصبه بالقوة بل ببيان خطئه في ما كان منه من أفعال أو أقوال ، وفي المعصية الكفرية تجوز منازعته في منصبه ولو أدى إلى الاقتتال والقطيعة ؛ هذا ما أمرنا به الرسول وعلينا السمع والطاعة.
       وعن التعامل مع الحكومة الفاسقة جاء في الاستذكار لابن عبد البر : " وأما جماعة أهل السنة وأئمتهم فقالوا : هذا هو الاختيار أن يكون الإمام فاضلا ، عالما ، عدلا ، محسنا ، قويا على القيام كما يلزمه في الإمامة ، فإن لم يكن فالصبر على طاعة الإمام الجائر أولى من الخروج عليه ، لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف ، وإراقة الدماء ، وانطلاق أيدي الدهماء ، وتبييت الغارات على المسلمين ، والفساد في الأرض ، وهذا أعظم من الصبر على جور الجائر " وجاء في كتاب غياث الأمم للجويني أن للعلماء فيه رأيان ، فمنهم من رأي عزله لذلك ، لأن طروء الفسق مثل طروء الجنون ومنهم من لا يراه والفاسق يختلف حاله عن المجنون ، وهو الصواب ، جاء في الكتاب المذكور :" المصير إلى أن الفسق يتضمن الانعزال والانخلاع بعيد عن التحصيل فإن التعرض لما يتضمن الفسق في حق من لا يجب عصمته ظاهر الكون ( الحدوث ) سرا وعلنا ، عامّ الوقوع ، والذي يجب القطع به : أن الفسق الصادر من الإمام لا يَقطع نظرَه ، ومن الممكن أن يتوب ويسترجع ويؤوب ، وقد قررنا أن في الذهاب إلى خلعه وانخلاعه بكل عثرة رفض الإمامة ونقضها ، واستئصال فائدتها ، ورفع عائدتها  وإسقاط الثقة بها ، واستحثاث الناس على الأيدي عن ربقة الطاعة " فيجوز العزل إذا أفرط في الفسق ، وعنه قال : " فأما إذا تواصل منه العصيان ، وفشا منه العدوان ، وظهر الفساد ، وزال السداد ، وتعطلت الحقوق والحدود ، وارتفعت الصيانة ، ووضحت الخيانة ، واستجرأ الظلمة ، ولم يجد المظلوم منتصفا ممن ظلمه وتداعى الخلل والخطل إلى عظائم الأمور وتعطل الثغور ، فلا بد من استدراك هذا الأمر المتفاقم " وعن كيفية علاج مثل هذه الحالات قال : " إن تيسر نصب إمام متجمع للخصال المرضية والخلال المعتبرة في رعاية الرعية تعين البدار إلى اختياره ...... وإن علمنا أنه لا يتأتى نصب إمام دون اقتحام داهية دهياء ، وإراقة دماء ، ومصادمة أحوال جَمّة الأهوال ، وإهلاك أنفس ونزف أموال فالوجه أن يقاس ما الناس مدفوعون إليه مبتلون به بما يُفرَضُ وقوعه في محاولة دفعه ، فإن كان الواقع الناجز أكثر مما يقدر وقوعه في روم الدفع ، فيجب احتمال المتوقع له لدفع البلاء الناجز ، وإن كان المرتقب المتطلع يزيد في ظاهر الظنون إلى ما الخلق مدفوعون إليه فلا يسوغ التشاغل بالدفع ، بل يتعين الاستمرار على الأمر الواقع ، وقد يقدم الإمام مُهمّا ويؤخر آخر ، والابتهال إلى الله وهو ولي الكفاية ".

    الخلاصة 4 مجرد وقوع الفسق من أعضاء الحكومة لا يبيح عزلها ، وكثرته يبيحه بشرط الأمن من الفتنة والظلم

    الباعث الثالث : منع الناس من حقهم في بيت المال               
       إذا ابتلي المسلمون بمن منعهم من حقهم في بيت المال فلهم مطالبته به شرعا ، وأما عزله فلا يجوز أبدا ، لأمرين أولهما : أنه يصعب معرفة إن كان منعهم منه فعلا أم لا ، فالحق في بيت المال ثابت لكافة المسلمين في مختلف الأقطار ، لا لمسلمي ذلك القطر وحدهم كما سيأتي قريبا ، ومن الصعب معرفة إن كان منحهم أو منعهم ، ومع احتمال المنع فإن تبين لهم ذلك فلينظروا هل يمكن خلعه دون التسبب فيما ذكر من الفتن والبلايا والقطيعة فيباح ، أو لا يمكن إلا بها فيمنع.
       ثانيا : لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يأذن لنا في الخروج على من منعنا من ذلك بل أرشدنا إلى الصبر ، والأدلة على هذا كثيرة وصحيحة ، وأول من رأى من الصحابة الخروج على من يمنع الناس من حقوقهم المالية من الحكام ولم يوافقه الرسول على ذلك : أبو ذر الغفاري رضي الله عنه ، وقد أرشده لما هو خير منه ، فقد روي أنه رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :     " كيف أنت وأئمة من بعدي يستأثرون بهذا الفيء "؟ قال قلت إذًا : والذي بعثك بالحق أضع سيفي على عاتقي ثم أضرب به حتى ألقاك ، أو ألحق بك ، قال : " أوَلا أدلك على ما هو خير من ذلك ؟ تصبر حتى تلقاني ".
       وفي معنى هذا الحديث أحاديث أخرى ، كما روي عن أنس رضي الله عنه قال : دعا النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار ليقطع لهم بالبحرين فقالوا : يا رسول الله إن فعلت فاكتب لإخواننا من قريش بمثلها ، فلم يكن ذلك عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " إنكم سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني " فأخبر بأن بعض الحكام سيستأثرون على المسلمين بالمال العام ، وأمر بالصبر على ذلك.
       وما روي عن علقمة الحضرمي قال : سأل سلمة بن يزيد رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا نبي الله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا فما تأمرنا ؟ فأعرض عنه ، ثم سأله فأعرض عنه ، ثم سأله في الثانية أو في الثالثة فجذبه الأشعث بن قيس وقال : " اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حُمّلوا وعليكم ما حُمّلتم ".
       لقد سأل سلمة عن كيفية التعامل مع الحكام الذين يمنعون الناس حقوقهم ، فرد الأشعث بأن عليهم السمع والطاعة ، وسكت الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهذا إقرار منه لما قاله الأشعث ، وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ستكون أثرة وأمور تنكرونها " قالوا : يا رسول الله فما تأمرنا ؟ قال : " تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم " كل هذا يدل على أن الحاكم الذي يمنع الناس من حقهم في بيت المال ، ويستأثر به لنفسه وحاشيته دون البقية ليس أمام الناس حياله إلا مطالبته بحقهم أو الصبر ، ولا يجوز عزله سلميا ولا بالقوة لهذا السبب.
       وأما المنع من التظاهر : فليس من حقوق الناس على الحاكم شرعا ، وليس من الفرائض الشرعية على المسلم ، وعلى هذا فلا يجبر الحاكم عليه ، وأما تكوين الأحزاب : فمن المسلم به أن الغرب الذي اخترعها وصدّرها إلينا يعلم عيوبها ، فالأحزاب قابلة للاختراق بعدد من الجواسيس ، وهي خطرة علينا ، إننا نعيش في عالم تنشط فيه الجوسسة والأحزاب من أسهل الطرق لذلك ، ولا يصعب على أجهزة المخابرات تجنيد بعض مؤسسيها أو أنصارهم ، فمن هنا يصح القول بأن الأحزاب عندنا خطرة علينا.
    الخلاصة 5 
     أن منع الحكومة من حصول الناس على حقهم المالي لا يبيح إسقاطها بالقوة ، وقد رآه بعض الصحابة ولم يقره الرسول عليه الصلاة والسلام عليه ، ولهم مراجعتها للحصول على حقهم أو عزلها سلميا


    حق الفرد حسب ميثاق الأمم المتحدة
    وحق الطاعة الثابت لولي الأمر
       يظن بعض المسلمين أن الحقوق التي تبنتها المنظمة العالمية لحقوق الإنسان هي حق شرعي في دين الله أيضا ، وبنى على هذا أن الحاكم عندما يمنع الناس من أي حق من تلك الحقوق فهو مجرم من حق الناس عزله في أي وقت ، والحقيقة أن للإنسان في الإسلام حقوق ترفضها مواثيق الأمم المتحدة ، وله في المنظمة الدولية حقوق يرفضها الإسلام ، وتتشابه الحقوق بينهما وتتباين ، فمما ترفضه مواثيق الأمم المتحدة ويقره الإسلام : حق قوامة الرجل على أسرته باعتباره ربها ، وحقه في تعدد الزوجات ، وحق تربية أولاده بما يشمل إجبارهم على أداء الشعائر الإسلامية ، وحقه في طلاق زوجته ، وحق الزوجة في الخلع من زوجها ، وحق الرجل والمرأة في استرقاق الأسرى في الحروب مع غير المسلمين ، وحق بيعهم وشرائهم بعد تملكهم ، هذه كلها حقوق أعطاها الإسلام للفرد وترفضها الأمم المتحدة ولا تقرها.
       ومن حقوق الفرد حسب مواثيق الأمم المتحدة مما لا يقره الإسلام حق الردة ، وحق وأكل أو شرب ما يريده الإنسان مما حرمه الله ، وحق المعاشرة الجنسية خارج الدائرة الزوجية أو ملك اليمين والحق في الامتناع من أداء شعائر الإسلام ، والحق في بيع الخمر والخنزير ، والحق في الإقراض بالربا ، وغير ذلك كثير ؛ هذه كلها أمور لا يباح الإقدام عليها شرعا ، ولو وقعت بالتراضي بين طرفيها فهي محرمة ، ومع هذا فإن الأمم المتحد تقرها ، ويرى الغربيون وربما البعض منا أنها من حقوق الإنسان.
       والحقوق التي أعطاها الإسلام للمسلم هل تشمل ما استحدثته الإنسانية اليوم كالحرية في تكوين الأحزاب والتظاهر وتداول السلطة وغير ذلك ؟ الجواب أن هذه أمور ترك الإسلام القول الفصل فيه لعرف الناس وتوافقهم على منحها أو المنع منها ، ولا تجبر أية حكومة على منحهم إياها أو منعهم منها مطلقا ، فلا وجود لدليل على أنها من الفرائض الشرعية ولا على أنها من المحرمات ، وامتثال أوامر الحكومة في هذه القضايا يندرج تحت الطاعة في المعروف الثابت بأدلة شرعية ، بخلاف الحق في الحياة والأمن ، فإن ابتلوا بمن منعهم منها فهو آثم ، ولكن لا يجوز شرعا أن يصل رد الفعل على ذلك إلى درجة عزله من منصبه بالقوة المسلحة.
       وتداول السلطة موجود في جميع الدول العربية ، فالسلطات في كافة الدول المتقدمة وغير المتقدمة ثلاث ، تشريعية ، وتنفيذية ، وقضائية ، ويتم التداول فيها جميعا بصورة شبه دورية ، فيتغير أعضاء ورؤساء البرلمانات ، وكذلك رؤساء الحكومات ووزراؤها ، وما لا يحدث فيه تغيير في أقطارنا هو منصب الحاكم العام بمختلف أسماء من يشغلونه ، وهو كحاكم غير ملزم شرعا بأن يتنازل عنه لو طلب منه ذلك لمجرد رغبة البعض في إقصائه ، بل وفق ضوابط محددة ، وعندها فقط قد يجوز عزله بالقوة.
       والرغبة في تكوين الأحزاب ليست حقا للناس على الحكومات ، وإن سماها البعض كذلك وبذلوا حياتهم في سبيلها ويحسبون أنهم مهتدون ، متناسين أن عليهم كمسلمين المحافظة على حياتهم فلا يعرضونها للموت في غير سبيل الله ، وعلى سلامة أنفسهم فلا يعرضونها للإذلال إلا في سبيل الله  وإذا كان للبعض رغبة فيما ذكر فلهم المطالبة بها فقط ، ولا يجوز إجبار الحكومة عليها أو إسقاطها إن لم تستجب لذلك ، وهي رغبة تتعلق بهواة السياسة وهم أقلية قليلة في كل مجتمع ؛ وحرية التعبير بتفرعاتها رغبة تتعلق بالأدباء والنقاد ، وهم أقلية قليلة في كل مجتمع أيضا ، فلذا لا يجوز الإصرار عليها ، ولا تجبر الحكومة عليها شرعا.       
    الخلاصة 6 أن الدولة ملزمة بمراعاة حقوق المسلم التي تتفق مع الأدلة وما خالفها فغير ملزمة به ، ولا يجوز عزلها إذا خالفت مواثيق الأمم المتحدة التي لا تنص الأدلة الشرعية على أنها حق للمسلم.   

       
    رابعا : الإسقاط بالقوة المسلحة ، متى يجوز شرعا ؟
       الناس بصفة عامة مجبولون على النفور ممن يحكمهم ، وهذا أمر رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن عمر بن الخطاب ، ففيه أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما : " إن للناس نفرة عن سلطانهم فأعوذ بالله أن تدركني وإياكم ضغائن محمولة ودنيا مؤثرة وأهواء متبعة ، وإنه ستتداعى القبائل ، وذلك نخوة من الشيطان ، فإن كان ذلك فالسيفَ السيفَ ، القتلَ القتلَ ( أي احذروا السيف ، احذروا القتل ) يقولون : يا أهل الإسلام ، يا أهل الإسلام " فعمر يعوذ بالله من استعمال القوة من أجل الوصول للمنصب.
       والشعور بالنفور من الحكام يتجذر ويزداد قوة بما يقع منهم من ظلم للناس ، فينصبّ تفكيرهم على عزلهم بأي ثمن ، وبتتبع النصوص نجد أن عزلهم بالقوة يباح في حالتين فقط ، أولاهما : العجز عن تسيير أمور البلاد لأمراض مختلفة ، وثانيتهما : الردة الصريحة ، أما الأولى وهي العجز الصحي أو النفسي عن إدارة الدولة : فإن الحاكم كبقية البشر عرضة لأن يصاب بأي من هذين النوعين ، وحينها يكون المسلمون بمنزلة من لا حاكم لهم ، فيجوز استبداله بغيره وعزله ، وقد تحدث عنه بعض العلماء ، قال الجويني رحمه الله : " ولو جُنّ جنونا مطبقا انخلع ، وكذلك لو ظهر خَبَل في عقله وعَتهٌ بَيّنٌ في رأيه ، واضطرب نظره اضطرابا لا يخفى إدراكه ، ولا يحتاج في الوقوف عليه إلى فضل نظر ، وعَسُرَ بهذا السبب استقلاله بالأمور ، وسقطت نجدته وكفايته ، فإنه ينعزل كما ينعزل المجنون ، فإن مقصود الإمامة القيام بالمهمات والنهوض بحفظ الحوزة وضم النشر وحفظ البلاد الدانية والنائية بالعين الكالئة الحافظة ، فإذا تحقق عُسْرُ ذلك لم يكن الاتسام بنعته بالإمامة معنى " ففي مثل هذه الحالة يباح للناس عزله ، لأنه لن يسفر عن إراقة دماء وظلم وتفتيت للحمة الوطنية وتفكيك للبنية الاجتماعية.
       وأما الثانية : وهي الردة الصريحة فإن من الردة ما هو ظاهر صريح يعرفه كل أحد ، ومنها ما هو خفِيّ لا يعرفه إلا العلماء ، وقد صرّح بهذا الإمام القرافي في الذخيرة ، فبعد أن ذكر أن الردة تكون من الأفعال ومن الأقوال قال : " ولكل منهما مراتب في الظهور والخفاء " والردة الظاهرة هي التي رخص الرسول صلى الله عليه وسلم في العزل بسببها فقط ، أما الخفية فلا يجوز العزل بسببها قولا واحدا.
       وقد أشار حديث عبادة : " إلا أن تروا كفرا بواحا " إلى جواز الإطاحة بالمرتد ردة صريحة ولم ينص عليه صراحة ، والردة الصريحة كالطلاق الصريح لا يختلف عليهما اثنان ، وقد جاء عنها في فتح الباري : " قوله عندكم من الله فيه برهان : أي : نَصّ آية أو خبرٌ صحيحٌ لا يحتمل التأويل " والردة القريبة من الصريحة لا تبيح العزل بالقوة على ما قاله العلماء ، جاء في فتح الباري : " ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فعلهم يحتمل التأويل " فالمختلف فيه هل هو ردة أو لا ؟ لا يبيح العزل بقوة السلاح.
       والصريحة أن يعلن أنه ترك الإسلام واعتنق دينا آخر ، هذه ردة لا يجهلها أحد ، وهنا يعزل بالقوة وبصورة فورية ، قال ابن بطال في شرحه لصحيح البخاري : " والذي عليه جمهور الأمة أنه لا يجب القيام عليهم ولا خلعهم إلا بكفرهم بعد الإيمان ، وتركهم إقامة الصلوات ، وأما دون ذلك من الجور فلا يجوز الخروج عليهم إذا استوطأ أمرهم وأمر الناس معهم ، لأن في ترك الخروج عليهم تحصين الفروج والأموال ، وحقن الدماء ، وفى القيام عليهم تفرق الكلمة وتشتت الألفة " فاعتبر ترك الإمام الصلاة بمنزلة إنكار وجوبها من سواه من بقية المؤمنين ، ومعلوم أن إنكارها من العامة ردة.
       ومقتضى قوله هنا : " استوطأ أمرهم وأمر الناس " أن الحكومة إذا لم تبسط سلطانها على كامل أقاليم بلادها ولم يستتب الأمن في ظلها فإن إسقاطها جائز ، ومن شارك في تنفيذه لا يعتبر باغيا من وجهة شرعية ، ويتحمل الذين منعوها من بسط سلطانها وفرض هيبتها وزر ما يحدث.


    قِدَمُ الصراع على الإمارة في أمتنا
       وأعمال القتل من أجل الإمارة قديمة في أمتنا ، وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من مغبة حرص بعضنا على الحكم ، فروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنكم ستحرصون على الإمارة ، وستكون ندامة يوم القيامة ، فنعم المرضعة وبئست الفاطمة " ومع هذا التحذير فإن المسلمين لا يزالون يقتتلون على الإمارة وينازعون الحاكم على الحكم ، وجذور هذا في تاريخنا تمتد إلى القرن الأول الهجري ، ونقل القرطبي ذلك عند حديثه عما جري بين عبد بن عمر بن الخطاب وبين عبد الرحمن بن مطيع الذي اقتحم المدينة المنورة يوم الحرة ، في كتاب المفهم ، فجاء فيه ما يلي : " وعلى يديه (أي ابن مطيع) كانت وقعة الحرَّة في الجيش الذي وَجَّه به يزيد بن معاوية لحربهم فهزموا أهل المدينة وقتلوهم ، واستباحوها ثلاثة أيام ، وقُتِل فيها عدة من بقية الصَّحابة من أبناء المهاجرين والأنصار ، وعطلت الصلاة والأذان في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم تلك الأيام " !! أرأيت إلى أين وصلت حدة الخصام على الإمارة ؟ مسجد رسول الله تُعَطّل فيه الصلاة والأذان؟!.
       وكان العلماء يضعون أيديهم على الجراح ويبينون للجاني مقدار جنايته ، كما حدث بين عبد الله بن عمر بن الخطاب وبين مصعب بن الزبير بن العوام رضي الله عنهم لما أراد الثأر من قتلة أخيه عبد الله.


    الخلاصة 7 أنه يجوز عزل الحكومة بالقوة في حالة الردة الصريحة فقط ، والصريحة هي المتفق عليها لا التي يراها بعض العلماء ، وإن اطمأنت إليه نفوس عدد من الناس ولها مظهران ، أولهما : الإعلان عن ذلك صراحة ، والآخر : اتخاذ قرارات تسمح بمنح رخص لممارسة بعض المحرمات كما تقدم ، وما عدى هذا فلا يجوز الإسقاط بالقوة مهما كانت الذرائع والمبررات ، والصراع على الحكم حذر منه الرسول ، وقد ظهر فينا منذ عصر الصحابة ، وذلك لا يبرره لنا فهو معصية ، سواء فعلها الأوائل أو لم يفعلوها.



    أمور  يجب خلع الحكومة بسببها 
       هناك نصوص فقهية على وجوب خلع بعض الحكومات ولا تتنافى مع قصر جواز العزل على المرتد صراحة ، فمن حكام اليوم من لم يرتدوا صراحة ولكن شرّعوا تشريعات رأى البعض أنها توجب على الناس عزلهم من مناصبهم ، وهم الذين تنص تشريعاتهم على منح رخص لبعض ما حرم الله من المهن التي يتكسب منها بعض الناس ، كالقروض الربوية ، والترخيص بممارسة البغاء ، والقمار ، وببيع لحم الخنزير ، والخمر ، وعدم تطبيق العقوبات الحدية ، فقد نص بعض العلماء على أن حكم هؤلاء لا يختلف عن المرتدين ردة صريحة ، كما جاء في المفهم في قوله : " ثم إن كانت تلك المعصية كفرًا وجب خلعه على المسلمين كلهم ، وكذلك لو ترك إقامة قاعدة من قواعد الدين ، كإقام الصلاة وصوم رمضان ، وإقامة الحدود ومَنَع من ذلك ، وكذلك لو أباح شرب الخمر والزنا ولم يمنع منهما لا يختلف في وجوب خلعه ".
       وكماء جاء في كتاب الخلافة لرشيد رضا : " ومن المسائل المجمع عليها قولا واعتقادًا : أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، وإنما الطاعة في المعروف ، وأن الخروج على الحاكم المسلم إن ارتد عن الإسلام واجب ، وأن إباحة المجمع على تحريمه كالزنا والسكر ، واستباحة إبطال الحدود ، وشرع ما لم يأذن به الله كفر وردة " فقد اعتبرا من يرخص لما ذكر مرتدا كما لو أنكر معلوما من الدين بالضرورة.
       وتشريعات معظم الحكام اليوم تسمح بالقمار ، وبشرب الخمر وبيعها ، وبالزنا ، واستبدلوا عقوبات الجرائم المنصوص عليها بعقوبات أخرى يعاقبون بها  وعلى ما قاله القرطبي ورشيد رضا فإن الإطاحة بها واجب خاصة إذا لم يسفر العزل عن ظلم وفتنة.
    الخلاصة 8 أن ما عليه تشريعات كثير من الدول العربية والإسلامية مما يمنح رخصا بممارسة بعض المحرمات يبيح عزل تلك الأنظمة ، فعلى رأس أولويات الحكومة تطبيق الأحكام الشرعية وليس إلغاءها.



    بيان الدول التي تبيح بعض المحرمات الآن
      من المعلوم أن الخمر ، والزنا ، والقمار ، ولحم الخنزير ، والقروض الربوية ، وغيرها مما حرمه ديننا كانت ممنوعة في بلاد المسلمين فلا ترخص السلطات فيها لأحد ، ولما سيطر المستعمر الصليبي على معظم أراضينا أباح ما ذكر وغيره ، ولما انسحب من ديارنا كان الواجب على الأنظمة التي حلت محله إلغاء تلك التشريعات ، لكنها ظلت تمنحها ، ففقدت شرعيتها من وجهة دينية ، وكان الواجب على العلماء إجبار الحكومات على المنع منها ، إلا أنهم آثروا الصمت ، فهذه الأنظمة لم تستحدث إباحة تلك المحرمات والترخيص لها اليوم ، وإنما أبقت ما كان المستعمر يبيحه ويرخص فيه مما هو محرم ، فقد وجدت نفسها أمام منكر يجب عليها تغييره ولم تفعل .
       ولكي نضع النقاط على الحروف نذكر أسماء الدول التي لم تلغ المحرمات التي أباحها المستعمر النصراني ثم حكمها حكام مسلمون ، وقد تقدم أن الإطاحة بها واجبة ، فمن الدول الواقعة في شمال أفريقيا : المملكة المغربية لم تلغ تلك القوانين حتى يومنا هذا ، الجمهورية الجزائرية لم تلغ تلك القوانين حتى يومنا هذا الجمهورية التونسية لم تلغ تلك القوانين حتى يومنا هذا ، المملكة الليبية لم تلغ تلك القوانين حتى أطاح مجموعة من الضباط بنظامها عام 69 ومنذ ذلك العام لم تمنح الدولة ترخيصا لما ذكر ، بل أوقفت ما كان ساري المفعول منها ؛ وهذا أمر أراد القذافي نشره خارج ليبيا ، وعلى وجه التحديد في مصر ، وحصلت مُلاسنة قاسية بينه وبين الكاتبة والأديبة المصرية أمينة السعيد التي اعتبرت الفسق والبغاء المرخص به في شارع الهرم في القاهرة نوعاً من كرم الضيافة المصرية ، أما هو فندد بمخازي شارع الهرم في ندوة في القاهرة طالب فيها بتنظيف الشراع المذكور من دور البغاء وإغلاق محال الدعارة السياحية وعُلبِ الليل أو النوادي الليلية في كافة مدن مصر ؛ ثم جمهورية مصر العربية لم تلغ تلك القوانين حتى يومنا هذا.
       أما الدول العربية الواقعة في جنوب غرب آسيا فمنها : بعض الإمارات المنضوية تحت دولة الإمارات العربية المتحدة لم تلغ تلك القوانين حتى يومنا هذا ، إمارة الكويت لم تلغ تلك القوانين حتى يومنا هذا إمارة قطر لم تلغ تلك القوانين حتى يومنا هذا ، المملكة الأردنية لم تلغ تلك القوانين حتى يومنا هذا الجمهورية العراقية لم تلغ تلك القوانين حتى يومنا هذا ، الجمهورية العربية السورية لم تلغ تلك القوانين حتى يومنا هذا ، الجمهورية اللبنانية لم تلغ تلك القوانين حتى يومنا هذا.
       ومن الدول الإسلامية : دولة الباكستان لم تلغ تلك القوانين حتى يومنا هذا ، الجمهورية التركية لم تلغ تلك القوانين منذ أن تخلت عن أحكام الشريعة الإسلامية باختيارها عام 1924 عندما ألغت الخلافة العثمانية وأعلنت الجمهورية ، لا نتيجة لسيطرة المستعمر عليها ، وما زالت بؤرة فسق وفجور حتى اليوم.
       كل هذه الدول أبقت حكوماتها ما يوجب الإطاحة بها على ما جاء في كتابي المفهم والخلافة ( بما فيها ليبيا في العهد الملكي ) فهل الأولى إسقاطها وتغييرها بالقوة ؟ أم ينبغي التريث واستبدال ذلك بتوجيه خطاب للشعوب أن تفرض على حكوماتها إلغاء تلك التشريعات وإلا فإنه ليس أمام الجمهور إلا عزلها بالقوة خلال فترة معينة ؟ ربما كان القول بالتريث أقرب للصواب لما يأتي :
       أولا : أن ما جاء في كتابي المفهم والخلافة لم يذكر فيه أن الحاكم حين يبيح هذه المحرمات فالإطاحة به واجبة أو مباحة ولو وقع اقتتال وفتنة ، ثانيا : أن الحكام اليوم في وضع لا يحسدون عليه ، بسبب المحيطين بهم من المستشارين الفاسقين المتنفذين في المجتمعات ، فعلى العلماء إعانة الحكومات في علاج هذا الأمر ، فهناك من المثقفين من يخادعهم ويزين أمر الإبقاء عليها ، ثالثا : يظل الخوف من إراقة الدماء حاجزا منيعا هنا ، وارتكاب أخف الضررين قاعدة مهمة من قواعد الدين ، إن منح الرخص لمزاولة ما حرم الله منكر تغييره واجب ، لكن تغيير المنكر لا يكون بما هو أشد منه كما هو معلوم.
       وإذن فالواجب في المرحلة الأولى تنبيه المسئولين لهذا الخلل في تشريعاتهم ، وإعانتهم على من يروّجون لضرورة الإبقاء عليها ، من مبدإ الحرية الشخصية للفرد في الأكل والشرب وإيجاد مواطن عمل لبعض الأسر ، وفتح البلاد أمام السياحة الوافدة ، لما تدره من أموال طائلة ، فالحرية حين تفضي إلى الحرام يجب منعها ، كما تمنع جميع المجتمعات من الانتحار ، وتعاطي المواد السامة والمخدرات ، وغيرها.
       وما يقولونه من أن المنع منها سيجعل مستقبل الأسر التي تعيش عليها في مهب الريح يرد عليه بأن الأرزاق بيد الله ، والمؤمن عندما يخيّر بين عمل محرم من جانب ومربح من جانب آخر ، وبين عمل يكفي للحد الأدنى من العيش من غير معصية فعليه اختيار الحد الأدنى.
       أما فتح الباب واسعا أمام السياح والسائحات ، فهو نوع من العهر الأخلاقي ، إن السياحة تستلزم الفسق والفجور ، والتشجيع عليها دعوة للخلاعة والانحلال الخلقي ، والتفكك الأسَري ، وما من مجتمع إلا ويمكن أن يعيش دون لجاجة هؤلاء الفاسقين الخبثاء وأفكارهم الماجنة ، والمرأة التي تمثل عنصرا أساسيا في هذا الفجور لو توفر لها أسباب العيش الكريم لن تفكر في اقتراف الفاحشة ، وستنأى بنفسها عن هذا الانحراف السلوكي ، وهي لا تشعر بالسرور عندما يعبث بها الرجال ، والخلاعة بوجه عام لا يقبلها الإنسان حين يكون عقله سويا ، ولذلك فإنهم يحتسون الخمر ليمتلكوا الجرأة على فعل تلك الخبائث ، هذا بعض ما يبيح الإسقاط ، وهناك أمور تحتاج لمعرفة وجه الحق فيها.
       ولو قلنا بأن تشريعات منح الرخص للمحرمات ردة شرعا ، فعلى العلماء أن يتوجهوا بخطابهم إلى السلطات التشريعية لتلك البلدان لإلغائها بدل التوجه مباشرة لخلع الملوك والرؤساء في الدول التي لا وجود لأقلية سكانية لا تدين بالإسلام ، أما مصر ، والأردن ، وسوريا ولبنان ، والعراق ، فيجب أولا تحديد حقوق أقلياتها غير المسلمة من حيث الإبقاء على منحها أو منعها ، فالمسألة تستوجب دراسة علمية شاملة تتناسب مع  الحداثة ، ولا تناقض قواطع الأدلة الشرعية.             
    الخلاصة 9 حين يكون السكان دياناتهم متعددة فالحكم بردة أنظمتها يحتاج لدراسة علمية رصينة

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 2:09 pm