منتدى خاص لمتخرجي وطلاب جامعة الإمام الأوزاعي , ومنبرٌ للتعبير عن أرائهم , وصالةٌ للتعارف فيما بينهم

انتباه لكل الأعضاء : يجب بعد التسجيل الرجوع إلى بريدك وإيميلك للتفعيل , فبغير التفعيل من الإيميل لا تستطيع الدخول لمنتداك وإذا كان بريدك الهوتميل أو الياهو فقد تجد الرسالة بالبريد المزعج             نعتذر عن أي اعلان في أعلى وأسفل الصفحة الرئيسية فلا علاقة لنا به               يُرجى من جميع الأعضاء المشاركة والتفاعل في هذا المنتدى لأنه يُعد بحق مكانا للدعوة والإرشاد                شارك ولو بموضوع ينفعك في دراستك وفي دنياك وفي أخراك                 كوّن أصدقائك في كليتك وفي سنتك وليكن المنتدى هو بيتك الثاني وليكن الطلاب هم أصدقائك وإخوتك              استفد ... وساعد ... واكتب ... وارتق بنفسك وبمن حولك فقد صار لك مجال للتعبير والتبيين والدعوة             لا تخف من الخطأ في الكتابة .. بيّن بحرية مطلقة وجرأة طالب العلم واعلم بأن هناك من يقرأ لك وسيوجهوك للصواب                   لا تكن عالة وضعيف الهمة .. فالانترنت أصبح اليوم من ضروريات الحياة والعلم ..              هيا نحن بانتظار مشاركاتك ولو بالإسبوع مقالا وموضوعا أو ردا على مساهمة .             

الصفحة الرسمية للجامعة على الفيس بوك

المواضيع الأخيرة

» اقتراحات ونقاشات
الخميس أغسطس 06, 2015 12:58 am من طرف Ranin habra

» أسئلة امتحانات للسنوات 2012 وما بعد
الخميس يوليو 30, 2015 2:17 pm من طرف محمد أحمد الحاج قاسم

» أسئلة سنوات سابقة
الجمعة يوليو 03, 2015 6:20 pm من طرف مهاجرة سورية

»  النظم السياسية
الأربعاء يونيو 24, 2015 5:33 pm من طرف مهاجرة سورية

» اسئلة الدورات
الأربعاء مايو 27, 2015 7:17 pm من طرف بلقيس

» السؤال عن برنامج الامتحانات لسنة 2015
الثلاثاء مايو 19, 2015 3:41 am من طرف Abu anas

» يتبع موضوع المسلمون بين تغيير المنكر وبين الصراع على السلطة
الإثنين مايو 04, 2015 5:01 pm من طرف حسن

» المسلمون بين تغيير المنكر والصراع على السلطة
الأحد مايو 03, 2015 1:42 pm من طرف حسن

» ما هو المطلوب و المقرر للغة العربية 2
الثلاثاء أبريل 21, 2015 7:47 am من طرف أم البراء

» طلب عاجل : مذكرة الاسلام والغرب ( نحن خارج سوريا)
السبت مارس 14, 2015 3:50 pm من طرف feras odah

» مساعدة بالمكتبة الاسلامية
الخميس فبراير 26, 2015 2:32 pm من طرف ام الحسن

» هنا تجدون أسئلة الدورات السابقة لمادة الجهاد الإسلامي
الجمعة فبراير 20, 2015 8:55 pm من طرف راما جديد

» للسنة الثالثه __اصول الفقه الأسلامي3 )) رقم 2
الخميس فبراير 12, 2015 1:16 am من طرف Amir Antap

» محركات مواقع البحث عن الكتب والرسائل الجامعية
الأحد فبراير 08, 2015 11:20 pm من طرف Amir Antap

» (((((الحركات الباطنيه 3)))) حمل وأستمتع مع التلخيص
الأحد فبراير 08, 2015 10:35 pm من طرف Amir Antap

هااااااااااااام لجميع الأعضاء

 

الرجاء من جميع الأعضاء
كتابة كل موضوع بقسمه المحدد وشكرا

    يتبع موضوع : قراءة عصرية في السياسة الشرعية

    شاطر

    تصويت

    هل هناك اخراج لكلام العلما عن سياقه ؟

    مجموع عدد الأصوات: x

    حسن

    الهاتف دوليا : 0
    الكلية : دراسات إسلاميةضيف
    طالب أو ضيف : ضيف
    السنة الدراسية : اكتب سنتك الدراسية هنا . أو أنك ضيفضيف
    الجنس : ذكر العمر : 47
    نقاط : 1394
    تاريخ التسجيل : 22/03/2014

    يتبع موضوع : قراءة عصرية في السياسة الشرعية

    مُساهمة من طرف حسن في الأربعاء يناير 28, 2015 6:09 pm

    [size=37]ثانيا[/size]
    [size=64] البدائل الإسلامية[/size]
    [size=64] لعمل المعرضة السياسية         [/size]
    [size=48]         
    [/size]

      
     
    بسم الله الرحمن الرحيم
     
    [size=37]  مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ[/size]
     
    [size=37]  فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ     وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللهِ    إِنَّ اللهَ لاً يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ . [/size]
    [size=37]   وفي الحديث النبوي  مَا ضَلَّ قَومٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلاَّ أُوتُوا الْجَدَلَ  .[/size]
    [size=37]    وفيه كذلك [/size][size=37] [/size][size=37]لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا ِلَما ِجئْتُ بِهِ . [/size]
                 
                                     تمهيد
       انطبع في ذهن الكثير منا أن الفكر الغربي المعاصر توصل إلى ما يفيد المجتمع الإنساني في ضبط العلاقة بين المسؤولين في أي مجتمع وبين أفراده والمهتمين بالسياسة منهم على وجه الخصوص ، فتلقوا ما جادت به قريحة المفكرين الغربيين في هذا الشأن كأنه وحي السماء ، انطلاقا من عدم وجود ما هو أفضل منه ، وديننا الإسلامي الحنيف نصت بعض آياته على أنه شامل لجميع ما يحتاج إليه الفرد في دنياه وآخرته ، فالقصور ليس في الدين ، بل فيمن يحملونه لغيرهم من العالمين.
       وهؤلاء الذين رحبوا بالفكر الغربي وتلقوه لم يظنوا أن ديننا يشتمل على ما هو أفضل منه في هذا الشأن ، ولا يغيب عن بالنا أن ديننا حين يتناول قضية من القضايا لا يتناولها من وجهة مادية بحتة كما هو الحال عند الغرب ، بل يضم إلى ذلك الجانب الأخلاقي للمسألة ويقدمه عليه ، ومن مظاهر ذلك : أن ما فيه من ضوابط للعلاقة بين الحكم والمحكوم لا تنصب على من يحكم بل على كيفية حكمه ، وكيف ينبغي أن يتعاطى الناس معه حين يصيب وحين يخطئ ، كما أنه في إطار تقديم الجانب الأخلاقي على الجانب المادي يرفض كل ما من شأنه أن يفضي إلى عداوة بين الناس ، وينهى أشد النهي عن اتباع سياسة لي الأذرع ، وإشهار العصا الغليظة في وجه المسؤولين.
       وهذا ما نجده في التأكيد على وجوب التعامل بين المؤمنين من منطلق أنهم إخوة ، وأن المحافظة على التآخي مقدمة على ما سواها ، مع التأكيد على ضرورة مواجهة الظالم من خلال ضوابط صريحة تحول دون استمراء في الظلم والعدوان على الناس ، إن ديننا يأمرنا أن ننظر للمسؤولين نظرة أخوّة توجب علينا عدم التهجم عليهم ، والانتقاص من شأنهم ، وتتبع عثراتهم ، بل التماس الأعذار لهم ... وهكذا أيها المسلم : اعتبر رئيس الدولة أخاك الشقيق ، وتعامل معه من هذا المنطلق لتحيوا حياة تغمرها المودة والإخاء ، تعامل معه من هذا المنطلق في قراراته التي تعجبك والتي لا تعجبك .
       أما الفكر الغربي فلا يعرف هذا المبدأ ولا يعترف به ، ومن ثم فإنهم يتعاملون مع الحكومات من منطلق التعامل مع الغريب الذي يستحق التهجم عليه والنيل منه واستعمال القوة ضده .... الجانب الأخلاقي مفقود عندهم ، ومن ثم فإن الخصومة تشتد بينهم ، والتشهير بين السياسيين قائم على قدم وساق ، والخصومة تبلغ أعلى درجاتها ، لأنهم يسعون لخدمة بلدهم في هذه الحياة فقط ، وفي ديننا فإن السعي وخدمة البلد لا تكون بما يهدم الأخوة بين أبنائه .
       جانب آخر يجب ملاحظته وهو أن ديننا يرشدنا إلى أن من يبتلى بمن يمنعه من حقه لو كان أبا أو أخا أو حاكما فإن الله سيؤتيه أجره يوم القيامة ، والغربيون لا يؤمنون بيوم الحساب ، فنشأ عن ذلك فهم مغاير لما جاء به ديننا الإسلامي ، يتمثل في أن من لا يحصل على حقه في الدنيا قد ضاع عليه ؛ وهذه البدائل مستمدة مما كان من الصحابة رضي الله عنهم جميعا ؛ إن التوفيق بين الدنيا والآخرة في نيل حقوقنا من خصوصيات ديننا الحنيف ، لذلك كله سنتناول البدائل الإسلامية لعمل معارضات السياسية اليوم ، ويشتمل الكلام فيها على ما يلي : (ا) مراجعة الحكومة في قراراتها ، الخلاصة 1 (ب) الاعتراض عليها فيها ، الخلاصة 2 (ت) إسقاطها سلميا وبواعثه الباعث الأول : كثرة الظلم ، الخلاصة 3 ، الباعث الثاني : كثرة الفسق ، الخلاصة 4 ، الباعث الثالث : منع الناس من حقهم في بيت المال ، الخلاصة 5 ، حق الفرد حسب ميثاق الأمم المتحدة وحق طاعة الحاكم الخلاصة 6 (ث) العزل بالقوة ، الصرع على الحكم في أمتنا ، الخلاصة 7  الاستعانة على العزل بغير المسلمين (ج) استقالة الحاكم متى يسري مفعولها فيسقط حق الطاعة الخلاصة 8 
                                  
                                 عرض هذه البدائل
       من المفيد توضيح أن ما توصل إليه المجتمع الإنساني مما يكفل للفرد الحد من استبداد الساسة وعبثهم بشؤون البلاد قد سبقهم ديننا بما يحقق نفس الغاية بطرق لا تفضي إلى الشحناء بين أبناء البلد الواحد وإراقة دمائهم ، وسنعرض لهذا هنا.
       يرى بعضنا أن المجتمعات التي لا تدين بالإسلام حققت أهدافا عجزنا عن الوصول إليها ، فهي تستطيع محاسبة مسئوليها حين يفشلون في إدارة بلدانهم ، وكان ذلك مدعاة للتفوق علينا في هذا الشأن ، وعند التأمل في هذه النظرة نجدها تتفق مع رؤية الغرب للحياة ، أما في ديننا فهناك ما هو أهم منها بكثير ألا وهو تطبيق تعاليم الإسلام في حياتنا اليومية ، فماذا لو أعطانا حكامنا ما وصل إليه غيرنا من الحقوق ورفضوا تطبيق تعاليم الإسلام وحضوا بأكثرية في الجهة التشريعية ؟ حينها لن نستطيع عزلهم بالطرق القانونية بحكم أنهم الأكثرية ، وعدم التقيد بتعاليم ديننا مرفوض شرعا ، فماذا سنفعل ؟ لذا فإن ما توصي به تلك التعاليم من السمع والطاعة للحاكم ما لم يأمر بمعصية أو يمنع من فريضة أولى مما وصلوا إليه .
     
    أولا : مراجعة الحكومة 
       ديننا يأذن لنا في مراجعة قرارات الحكومة التي لا تحقق مصلحتنا ، وهذا يندرج في إطار النصح لأئمة المسلمين ، وهو إذ يعطينا هذا الحق فلأنه قد يتبين لها خطؤها في قراراتها فتغيّر قرارها كما وقع من أبي بكر عندما راجعه عمر بن الخطاب وغيره رضي الله عنهم في كتابة المصحف ، فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر ، فقال أبو بكر : إن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحَرّ يوم اليمامة بالناس ، وإني أخشى أن يَسْتحِرّ القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه ، وإني لأرى أن تجمع القرآن ، قال أبو بكر : قلت لعمر كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال عمر : هو والله خير ، فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري ورأيت الذي رأى عمر ... إلى آخر الحديث " رواه البخاري في صحيحه ، ألم تر أن هذه المحادثات والمراجعات قد أثمرت عدول الخليفة أبي بكر الصديق عن رأيه فتحقق ما يريده معارضوه دون شحناء ولا بغضاء ولا إراقة دماء ، وهكذا المسلمون اليوم يجب أن يتعاملوا.
       وهذا التغيير لموقف الحاكم ليس مُطّرِدًا لازما ، فقد يُصِرّ على إنفاذ رأيه لكونه يراه وجيها ، وحينها لا يجوز للناس إجباره على تغييره ولو ظنوا أنه قد أخطأ فيه فقد يكون صائبا ، كالذي كان في المباحثات والمراجعة في حروب المرتدين ، هذا ما يتفق مع تعاليم الإسلام المنقولة عن الصحابة ، فقد جاء أن أبا بكر الصديق قرر حربهم ورأى بعض الصحابة رضي الله عنهم خلافه ، ولما أصرّ على موقفه لم يتخذ المخالفون له موقف المعارض اللدود ، ولا قرروا عزله لأنه سيدخلهم في حرب لها كارهون ، بل قبلوا ذلك الأمر منه ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر رضي الله عنه وكفر من كفر من العرب فقال عمر رضي الله عنه : كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فمن قالها فقد عصم مني ماله ، ونفسه ، إلا بحقه ، وحسابه على الله ؟ فقال : " والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، فإن الزكاة حق المال ، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها " قال عمر رضي الله عنه : فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه فعرفت أنه الحق. 
       إن معارضي الخليفة حين لم يفلحوا في إقناعه برأيهم تراجعوا هم عن موقفهم ولم يؤلفوا كتلة معارضة تخاصمه في هذا بل اتبعوه فيما ذهب إليه ، ولم يحشدوا أنصارهم يجوبون المدينة المنورة طولا وعرضا منددين بموقفه ، ولا نظموا مهرجانات خطابية رفضا لقراره ، لم يفعلوا ما يفعله مراهقو السياسة الغربيون وذيولهم في مشرقنا مما ذكر شيئا ، لقد راجعوه بطريقة وُدّيّة أسفرت عن تراجعهم فتحقق الهدف ، ذلك هو الإسلام وأولئك هم المسلمون حقا ، أين منهم دعاة الحداثة من فقهائنا هواة مجاراة الساسة الحمقى؟.
       إذا : فالمراجعة قد تفضي إلى تغير رأي السلطة أو رأي معارضيها ، وهذا هدف نبيل ، فإذا صارت الولاية لهم فلهم أن يغيروا تلك التشريعات ، وهذا أيضا يتفق مع تعاليم الإسلام التي نقلتها المصادر التاريخية ، ومن ذلك ما كان بين الخليفة أبي بكر من جهة ، وبين عمر بن الخطاب وعدد من الصحابة من جهة أخرى في توزيع المال على المسلمين ، فقد كان أبو بكر لا يرى فرقا بين مسلم وآخر في حصتهم في بيت المال ، في حين يرى عمر وبعض الصحابة التفريق بين من أسلم منذ أن دعاه الرسول ومن تأخر إسلامه وحارب الدعوة.
       جاء في السنن أنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء مال من البحرين ، قال أبو بكر : من كان له على رسول الله صلى اله عليه وسلم شيء أو عِدَةٌ فليقم فليأخذ ، فقام جابر بن عبد الله رضي الله عنهما فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن جاءني مال من البحرين لأعطينك هكذا وهكذا ثلاث مرات ، وحثى بيده فقال له أبو بكر : قم فخذ بيدك ، فأخذ فإذا هن خمسمائة ، فقال : عُدّوا له ألفا ، وقسم بين الناس عشرة دراهم عشرة دراهم وقال : إنما هذه مواعيد وعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ، حتى إذا كان عام مقبل جاء مال أكثر من ذلك المال فقسم بين الناس عشرين درهما عشرين درهما وفضلت منه فضلة فقسم للخدم خمسة دراهم وقال : إن لكم خدما يخدمونكم ويعالجون لكم فرضخنا لهم ، فقالوا : لو فضلت المهاجرين والأنصار لسابقتهم ولمكانهم من رسول الله عليه الصلاة والسلام؟! فقال : أجر أولئك على الله ، إن هذا المعاش الأسوة فيه خير من الأثرة ، فعمل بهذا ولايته حتى إذا كان سنة ( أراه ) ثلاث عشرة في جمادي الآخرة من ليال بقين منه مات فتولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ففتح الفتوح وجاءته الأموال فقال : إن أبا بكر رضي الله عنه رأى في هذا المال رأيا ولي فيه رأي آخر ، لا أجعل من قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم كمن قاتل معه ففرض للمهاجرين والأنصار ممن شهد بدرا : خمسة آلاف خمسة آلاف ، وفرض لمن كان له إسلام كإسلام أهل بدر ولم يشهد بدرا : أربعة آلاف أربعة آلاف ، وفرض لأزواج النبي عليه الصلاة والسلام اثني عشر ألفا اثني عشر ألفا إلا صفية وجويرية فرض لهما ستة آلاف ، فأبتا أن تقبلا ، فقال لهما : إنما فرضت لهن للهجرة ، فقالتا : إنما فرضت لهن لمكانهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم  وكان لنا مثله ، فعرف ذلك عمر رضي الله عنه ففرض لهما اثني عشر ألفا اثني عشر ألفا ، وفرض للعباس رضي الله عنه اثني عشر ألفا ، وفرض لأسامة بن زيد أربعة آلاف ، وفرض لعبد الله بن عمر ثلاثة آلاف ، فقال : يا أبت لم زدته عليّ ألفا ؟ ما كان لأبيه من الفضل ما لم يكن لأبي ، وما كان له ما لم يكن لي فقال : إن أبا أسامة كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك ، وكان أسامة أحب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام منك ، وفرض للحسن والحسين رضي الله عنهما خمسة آلاف خمسة آلاف ، ألحقهما بأبيهما لمكانهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفرض لأبناء المهاجرين والأنصار ألفين ـ ألفين ، فمر به عمر بن أبي سلمة فقال : زيدوه ألفا ، فقال له محمد بن عبد الله بن جحش : ما كان لأبيه ما لم يكن لآبائنا ، وما كان له ما لم يكن لنا ، قال : إني فرضت له بأبيه أبي سلمة ألفين ، وزدته بأمه أم سلمة ألفا ، فإن كانت لك أم مثل أمه زدتك ألفا (!!) وفرض لأهل مكة والناس ثمانمائة ، فجاءه طلحة بن عبيد الله بأخيه عثمان ففرض له ثمانمائة ، فمر به النضر بن أنس فقال عمر : افرضوا له في ألفين ، فقال له طلحة : جئتك بمثله ففرضت له ثمانمائة وفرضت لهذا ألفين ؟ فقال : إن أبا هذا لقيني يوم أحد فقال لي : ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقلت : ما أراه إلا قد قتل فسل سيفه وكسر غمده ، وقال : إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل فإن الله حي لا يموت فقاتل حتى قتل ، وهذا يرعى الشاء في مكان كذا وكذا " رواه البيهقي في السنن الكبرى .
       هذا عمر بن الخطاب ومعه عدد من الصحابة كانوا يرون في طريقة توزيع مال بيت المال على المسلمين رأيا مختلفا عما يراه أبو بكر الصديق رضي الله عن الجميع ، ومع هذا فقد ظلوا على ولائهم المطلق له ، بل لقد قاتلوا المرتدين تحت رايته ، فلما لحق بالرفيق الأعلى استبدلوا الطريقة التي كان المال يوزع بها على المسلمين ، وفعلوا في عهد عمر ما يرونه صوابا ، دون مشاكل أو اضطرابات أو إجبار لمن يحكمهم على تغيير سياسته في هذا الشأن ، بل عاشوا عيشة أخوية ، وغيروا ما يرونه خطأ . 
       وبهاتين الطريقتين كان يتم توزيع المال على المسلمين بعد أن يجعل الخمس للجهاد في سبيل الله ونشر الدعوة الإسلامية ، وتقديم ما يلزم في قطاعات خدمية قليلة كتسوية الطرق ، وأجرة الشّرَط ، والقضاة والمحتسبين ، وغير ذلك مما كانت الحاجة تدعو له.
       وفيما تقدم من مواقف الصحابة دليل على أن المسلمين يتعين عليهم طاعة من يحكمهم فيما يحبون وفيما يكرهون ، وليس فيما يحبون فقط ، ولهم الحرية فيما شرّعته الحكومة وتراه صالحا للناس ولا يرون فيه ذلك أن يغيروه بعد تخليها عن مهامها الرسمية ، أما مناوأتها إلى حد إجبارها على تغيير قراراتها وتشريعاتها أو إسقاطها بالقوة إذا عجزوا عن ذلك فليس من الإسلام في شيء ، وإن أدى ذلك إلى فتنة بينهم  فويل لمن دعا لفرض رأي المعارضة على الحكومة أو شارك أو ساهم فيه أو أفتى به.
       وفيها دليل على مراجعتها إذا اتخذت قرارا يظنون أنها أخطأت فيه ، وعدم إلزام الناس بالانقياد المطلق لها كما يروج علماء السلاطين اليوم ، بل لهم حق مراجعتها أكثر من مرة من باب النصح لها  وقد أخطأت الحركات الإسلامية اليوم حين تركت نصح الحكام ونهيهم عن المنكر ونازعت الحكومات في الحكم ليحلوا محلها ، وهو عمل محرم بلا شك ، ولو كان بقصد تطبيق الشريعة كما يزعمون ويرددون.
       وقد ظهر من فقهائنا من يميلون لما يردده الساسة من آراء ، فصوّروا للناس أنه بحكم أن التعليم قد انتشر في أوساطنا فلا معنى للتقيد بحرفية هذه الأدلة ، وأعطوهم الضوء الأخضر لمخالفتها لكي يواكبوا التقدم البشري !! ليكن للمواطن دور كبير في توجيه سياسة دولته ، أسوة بغيره من شعوب الأرض قاطبة ، وهذا ينطوي على زيف كبير ، فالمواطن في العالم كله ليس له دور في توجيه سياسة بلده ، وما هو واقع في الدول الغربية من دور للمواطن هو في اختيار من يرسم سياسة الدولة ، ثم يكون لذلك النائب أن يفعل ما يريد ، ولكي يوضع هذا الهدف النبيل المتمثل في مشاركة الفرد في رسم السياسة موضع التنفيذ يتعين اعتماد حق الناس في التقدم بطلب للبرلمان بسحب انتخابهم لأي نائب انتخبوه وفق شروط محددة ثم أدار ظهره للناخبين ، ولهم أن يمنعوه من دخول البرلمان وأن يختاروا بديلا عنه ، فبهذا يمكن القول بأن المواطن بعد تقدمه فكريا أضحى شريكا في رسم السياسة ، أما قبل ذلك فلا.
     الخلاصة 1 أنه يجوز مراجعة الحكومة إذا قررت فعل ما لا يحقق مصلحة الناس أو عدم فعل ما يحققها ، للبحث عما هو صواب سواء فعلته أو دعا له معارضوها ، مع عدم التشهير بها ، والتعامل معها من منطلق أخوي لا منطلق عدائي ، وبذلك يصل الطرفان إلى ما فيه المصلحة.

    ثانيا : الاعتراض على الحكومة
       وكما أعطى الإسلام المسلمين حق مراجعة الحكومة فقد أعطاهم كذلك الحق في الاعتراض على بعض قراراتها ، وهذا خاص بما لو أمرت بمحرم فقط ، فيذكرون الأدلة على ذلك ، فإن لم تلتفت لقولهم فلهم الاعتراض عليها ، وهذا ما كان بين معاوية وعُبَادة بن الصامت رضي الله عنه الذي قال عنه ابن حجر : " ولعُبَادة قصص متعددة مع معاوية ، وإنكاره عليه أشياء ، وفي بعضها رجوع معاوية له ، وفي بعضها شكواه إلى عثمان منه تدل على قوته في دين الله وقيامه في الأمر بالمعروف "هذا ما يجوز للعالم أن يعامل الحكومة به حين تخالف تعاليم الإسلام ، أما إسقاطها ولو بقوة السلاح فمحرم إجماعا.
       ومما اختلفا فيه ما روي عنه أنه غزا مع معاوية أرض الروم ، فنظر إلى الناس وهم يتبايعون كِسَرَ الذهب بالدنانير وكِسَرَ الفضة بالدراهم فقال : يا أيها الناس إنكم تأكلون الربا ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا تبتاعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل لا زيادة بينهما ولا نظِرَة " فقال له معاوية : يا أبا الوليد : لا أرى الربا في هذا إلا ما كان من نَظِرة ، فقال عبادة : أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثني عن رأيك ؟ لئن أخرجني الله لا أساكنك بأرض لك علىّ فيها إمْرَة ، فلما قفل لحق بالمدينة فقال له عمر بن الخطاب : ما أقدمك يا أبا الوليد ؟ فقص عليه القصة وما قال من عدم مساكنته فقال : ارجع يا أبا الوليد إلى أرضك ، فقبّح الله أرضا لست فيها وأمثالك ، وكتب إلى معاوية : " لا إِمْرَةَ لك عليه ، واحمل الناس على ما قال فإنه هو الأمر " رواه ابن ماجه في سننه في مناقب عبادة ، فمعاوية يغير رأيه إذا رآى أن ما يقوله عبادة أقرب للصواب ، وأحيانا يتمسك برأيه ولا يلتفت لرأي عبادة ، وعبادة لم يطالب بعزل معاوية ، بل غادر الإقليم الخاضع له.
       ونحو هذا الاعتراض روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه ، فقد روي أن معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من وَرِقٍ أو ذهب بأكثر من وزنها ، فقال له أبو الدرداء : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل ، قال له معاوية : ما نرى به بأسا ، فقال له أبو الدرداء : من يعذرني من معاوية ؟! أخبره عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ويخبرني عن رأيه ، لا أساكنك بأرض أنت بها ــ قال ــ فقدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب رضي الله عنهما فأخبره فكتب إلى معاوية : أنْ لا يبيع ذلك إلا مثلا بمثل ، أو وزنا بوزن ؛ رواه مالك في الموطإ في ببيع الذهب بالفضة فهذا أبو الدرداء يذكر الدليل ولا ينادي بخلع معاوية بل يعزم على الإقامة في منفى اختياري غير خاضع لحكم معاوية.
       فإن قيل : إن طبيعة بعض الحكام اليوم عدم القبول بمناقشة رأيه ، وهناك من يشير عليهم فلم يلتفتوا لرأيه قليلا ولا كثيرا ، والتعامل معهم بهذا الأسلوب لا يجْدي ، فالجواب أولا : أنهم فيما يبدو متطفلون نَصّبُوا أنفسهم بأنفسهم فلم يقبل الحكام ما أشار به هؤلاء ، وهذا من حقهم كحكام.
       ثانيا : إن الظلم والجور ومخالفة الأدلة الشرعية إذا مارسته إحدى الحكومات اليوم لا يصدر عن الملك أو الرئيس ، بل السلطة التشريعية التي اختارها الناس ، وعلى العلماء وغيرهم التوجه بالخطاب للبرلمانيين كي يقرروا ويشرعوا ما يكفل للناس العدل بينهم والتزام النصوص الشرعية ، أو يمتنعوا عن اختيارهم عند إنهاء دورتهم ، وكل هذا جائز ، وإن تبين أن الرئيس أو الملك وراء تلك القرارات فالواجب إما الصبر أو الهجرة أو مراجعته فلعله أن يتراجع أو اغتياله إذا تحققوا أنه مصدر الظلم الشديد بعد التيقن من أن ذلك ظلم حقيقة وليس رأي بعضهم ، وأن عزله لن يسفر عن فتنة.
       ثالثا : أن الله حين يأمر عباده بأمر فالواجب تنفيذ أمره دون التفكير في جدواه وعدمها ، فالقضاء والقدر فوق الجميع ، واقرأ قول الله تعالى في سورة النازعات : " هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (26) ".
       هذا ما يجب على المسلم فقط ، تنفيذ أمر الله لا غير ، لقد قال الله لموسى : اذهب إلى فرعون ... فقل ... وسيدنا موسى أدى هذا الأمر ، ولما لم يستجب فرعون لداعي الهدى دارت عليه الدوائر   ولو قال موسى لنفسه : إن فرعون لا يجدي معه هذا الأسلوب ولم يذهب كما أمره الله عز وجل لأخذه الله هو قبل فرعون لعنه الله ، على موسى تنفيذ الأمر وعدم استباق الأحداث ، ولا علاقة له بالجدوى وعدمها ، وهذا ما يجب على العلماء اليوم ، وعدم القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح للأئمة بدعوى عدم جدواها رفض لهذا لأمر الإلهي ورَدّ له على الآمر سبحانه وتعالى.
       هكذا تعامل السلف مع فريضة الأمر بالمعروف النهي عن المنكر والنصح للأئمة ، لا ينازعون الحكام في الحكم ، ولا يتطلعون للمنصب ولا يسعون له ، ولو لتطبيق تعاليم الإسلام حسب فهمهم ، ولا يتدخلون في طرق إدارة البلدان ، بل ينصحون فقط ، فإن لم يرضوا عن طريقة أداء الحكومة غادروا الإقليم الذي يقيمون فيه ، ولم يفكروا في إسقاطها ، هذا هو الدين ، وهكذا التدين.
       وتدل الحادثتان عن عبادة وأبي الدرداء على أن مخالفة الحاكم دليلا شرعيا لا تبيح عزله ، فعبادة وأبو الدرداء لما لم يفلحا في إقناع معاوية غادرا إقليم الشام ولم يوجها نداء للمسلمين للإطاحة بمعاوية ، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يعزله بسببه ، فالحكام وعمالهم ( مندوبوهم في المناطق ) كلهم بشر يقع منهم الخطأ ، ويكفي شرعا ذكر الدليل للحكومة ، وعلى الحكومة أن تأمر بما يصلح للأمة كما تراه هي وإسقاطها لأنها خالفت دليلا أو أدلة حرام ، ويتأكد مع احتمال وقوع اضطرابات وفتنة بين الناس.
       ولنتنبه إلى أنه ليس من الدين الاعتراض على الحكومات في الأمور الظنية التي تعددت آراء العلماء فيها ، وهذا منزلق وقع فيه بعض المنتسبين للأحزاب الإسلامية والعاملين في مجال الخطابة والدعوة في ليبيا خصوصا ، إبان عهد القذافي فكانوا يعترضون على النظام في مسائل ظنية ، وبطريقة مخالفة لما جاء في كتاب الله وحديث رسوله صلى الله عليه وسلم ، فألقت السلطات القبض عليهم ولبثوا في السجن بضع سنين ، ومنهم من مات وظنه الناس شهيدا وما هو بشهيد ، إنما هو جَانِ على نفسه ، فالمسائل الظنية لا يجوز الاعتراض فيها ، وطريقة علاجها  كما تقدم عن عبادة وأبي الدرداء فقط لا غير.
       ودين الله يأمر المسلمين أن يهتموا بالآخرة أكثر من اهتمامهم بالحياة الدنيا ، قال الله تعالى : " وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا " علينا أن لا ينسى نصيبنا من الدنيا ، ولكن الأهم منها هو نصيبنا في الدار الآخرة ، ولو خيّرنا بين ما فيه منفعة في الآخرة وما فيه منفعة في الدنيا فعلينا اختيار الأول ، ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم : " ولا تجعل الدنيا أكبر همي " وهذا الحماس من بعض علمائنا والحرص على مسابقة الأمم الأخرى قد تنبأ به الرسول صلى الله عليه وسلم ، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع ، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه " قلنا : يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال : " فمن " وجعله من علامات الساعة ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها ، شبرا بشبر  وذراعا بذراع " فقيل : يا رسول الله كفارس والروم ؟ فقال : " وَمَن الناس إلا أولئك " ؟.
    الخلاصة 2 : أن الاعتراض على الحكومة مأذون فيه حين تقرر ما حرمه الله سبحانه وفق ما يراه بعض العلماء مع ذكر الدليل الذي خالفته دون إجبارها على تغيير قرارها بالقوة.

    ثالثا : إسقاط الحكومة سلميا
       إن إسقاط أية حكومة بطريقة سلمية يجوز أحيانا ، وقد يجوز بالقوة المسلحة ، فمتى يجوز الأمران كلاهما ومتى لا يجوزان ؟ تقدم أن الحكومة تحرم طاعتها فيما تأمر به مما حرمه الله سبحانه وفيما تنهى عنه من الفرائض ، وقد التبس الأمر عند البعض ففهموا من حرمة طاعتها جواز إسقاطها ، وهذا خطأ علمي ، فالمحرم هو طاعتها في ذلك الأمر لا في غيره ، وعدم طاعتها في كافة أوامرها وقراراتها هو نزع لليد من الطاعة ، وهذا لا يباح إلا إذا اشتد ظلمها ووفقا لضوابط معينة.
       إن أعضاء الحكومة يجب أن يكونوا مسلمين قال الله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ " فقوله : ( منكم ) يدل على أن من يحكمنا لا يكون إلا منا ، ونحن منا المطيع ومنا العاصي ، ومنا البر ومنا الفاجر ، كما أن منا العدل ومنا الفاسق والجائر ، والحكومة ستكون من هؤلاء ، ومن الخطإ أن نتصور أن من يحكمنا ينبغي أن لا يجور وأن لا يعصي ربه ، إنه بشر مثلنا ، نحن نخطئ وهو يخطئ ، ونحن نظلم ونجور وهو يظلم ويجور .... إلخ ، والذي يراه جمهور العلماء أن الأولى أن يكون الحاكم في بلادنا من عُدُولنا حين يختاره أهل الحل والعقد فقط ، أما من يتولى بوصية من قبله أو بالقوة فلا يشترط فيه شيء منها ، وماذا لو كان عند اختياره عدلا ثم انسلخ منها ؟ قيل : لهم أن يعزلوه إن لم يفض إلى فتن وإراقة دماء وقطيعة ، وقيل يعزل سلميا كذلك إذا اشتد ظلمه وجوره فقط ، شرط الأمن من الفتنة والظلم ، وكل هذا سيأتي تفصيله فيما يلي : ــ
     
    بواعث الإسقاط السلمي
       قد يبلغ السوء بالحكومة مبلغا كبيرا ، وحينها يجوز للناس إسقاطها بطريق سلمي لا عنف فيه ، أما إن ظنوا أنه سيفضي إلى الاقتتال والقطيعة والفتن فلا ، وهناك أمور ثلاثة تبعث على عزل الحكومة وإسقاطها على النحو المذكور ، أولها : كثرة الظلم ، وثانيها : فقدان صفات العدالة ، وثالثها : منع الناس من حقهم في بيت المال ، وللعزل صورتان : سلمية ومسلحة ، فالسلمية لا تجوز في المنع من الحقوق المالية ومأذون فيها في حالي الفسق والجور إن لم يترتب عليه فتنة وظلم ، وأما المسلحة فمأذون فيها في حالة واحدة هي الكفر الصريح ؛ والفرق بين الاعتراض على الحكومة وبين عزلها سلميا أن الاعتراض يكون من فرد واحد أو عدد قليل من الناس ، وسببه : مخالفتها دليلا شرعيا ، أما العزل السلمي فيبدأ بأعداد قليلة ثم يزدادون ، ويتذرع أصحابه بإصلاح الفساد ، ورغبتهم الحقيقية تنحيتها ليحلوا محلها.
       والخروج بقصد عزل من هو في منصب ولي الأمر عادة ما يتخفّى وراء ستار أهداف دينية وإنسانية نبيلة ، وهذا ما كان عليه حال هذه النماذج منذ صدر هذه الأمة ، فالذين أرادوا عزل الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه تظاهروا بأنهم يتجمعون من أجل أداء مناسك الحج والعمرة ؛ وعنه جاء في كتاب البداية والنهاية لابن كثير : " تكاتب أهل مصر وأهل الكوفة وأهل البصرة وتراسلوا   وزورت كتب على لسان الصحابة الذين بالمدينة ، وعلى لسان علي ، وطلحة ، والزبير ، يدعون الناس إلى قتال عثمان ونصر الدين ، وأنه أكبر الجهاد اليوم ( أرأيت أيها القارئ : من خرجوا على عثمان صرحوا بأنهم يريدون نصر الدين وأنه أكبر الجهاد !!َ )
       وأضاف : " وخرجوا فيما يظهرون للناس : حجاجا ... وهم على وَجَلٍ من أهل المدينة فبعثوا قُصَّادًا وعيونا بين أيديهم ليخبروا الناس أنهم إنما جاءوا للحج لا لغيره ، وليستعفوا هذا الوالي من بعض عماله    ما جئنا إلا لذلك ، واستأذنوا للدخول فكل الناس أبى دخولهم ونهى عنه ، فتجاسروا واقتربوا من المدينة ، وجاءت طائفة من المصريين إلى علي وهو في عسكر عند أحجار الزيت عليه حلة أصواف  مُعْتمُّ بشقيقة حمراء يمانية متقلدا السيف ، وليس عليه قميص ، وقد أرسل ابنه الحسن إلى عثمان فيمن اجتمع إليه ، فسلم عليه المصريون فصاح بهم وطردهم ، وقال : لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وذي خشب ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ، فارجعوا لا صبّحكم الله ، قالوا نعم وانصرفوا من عنده على ذلك ، وأتى البصريون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى جنب علي وقد أرسل ابنيه إلى عثمان ، فسلموا عليه فصاح بهم وطردهم ، وقال لهم كما قال علي لأهل مصر ، وكذلك كان رد الزبير على أهل الكوفة ، فرجع كل فريق منهم إلى قومهم ، وأظهروا للناس أنهم راجعون إلى بلدانهم وساروا أياما راجعين ، ثم كروا عائدين إلى المدينة ، فما كان غير قليل حتى سمع أهل المدينة التكبير  وإذا القوم قد زحفوا على المدينة وأحاطوا بها ، وجمهورهم عند دار عثمان بن عفان ، وقالوا للناس : من كف يده فهو آمن ، فكف الناس ولزموا بيوتهم ، وأقام الناس على ذلك أياما هذا كله ولا يدري الناس ما القوم صانعون ؟ ولا على ما هم عازمون " ؟.
       وأضاف : " وذهب الصحابة إلى هؤلاء يُؤنّبُونهم ويَعْذِلونهم على رجوعهم حتى قال على لأهل مصر : ما ردكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم ؟ فقالوا : وجدنا مع بريد كتابا بقتلنا ، وكذلك قال البصريون لطلحة والكوفيون للزبير ، وقال أهل كل مصر إنما جئنا لننصر أصحابنا ، فقال لهم الصحابة كيف علمتم بذلك من أصحابكم وقد افترقتم وصار بينكم مراحل ؟ إنما هذا أمر اتفقتم عليه ، فقالوا ضعوه على ما أردتم لا حاجة لنا في هذا الرجل ، ليعتزلنا ونحن نعتزله ، يعنون أنه إن نزل عن الخلافة تركوه آمنا ".
       هذا حال المفسدين ، يظهرون للناس أن عملهم مباح وهو منهي عنه اتفاقا ، كعزل حاكم لم تعجبهم طريقته في إدارة الدولة بطريقة سلمية أو بالقوة ، فما هي بواعث العزل ؟ ومتى يباح ومتى لا يباح ؟
    الباعث الأول : كثرة الظلم
       من أسباب إسقاط الحكومة بطريقة سلمية كثرة الظلم ، وهذا قد يكون في صورة قرارات يرون فيها ظلما لهم كغصب أموالهم الخاصة ، ومنه الاستيلاء على تركة الميت ، وقد ظهر في عهد سيف الدولة الحمداني ، فقد جاء في كتاب زبدة الحلب في تاريخ حلب : " وكان القاضي بها أحمد بن محمد بن ماثل فعزله وولىّ أبا حصين علِيَ بن عبد الملك بن بدر بن الهيثم الرقي ، وكان ظالماً ، فكان إذا مات إنسان أخذ تركته لسيف الدولة ونادى : " كل من هلكْ فلسيف الدولة ما تركْ ، وعلى أبي حصين الدركْ " وقد يكون بصور أخرى ، وكلها من قبيل ظلم ولي الأمر ، وهو لا يبيح عزله بالقوة.
       والإسلام يعطي المسلمين الحق في فعل أي من الأشياء الثلاثة الآتية إذا تسلط عليهم حاكم ظالم يغصب أموالهم ويضيفها لممتلكاته الخاصة أولها : عزله سلميا دون إراقة دماء وتفتيت اللحمة الوطنية وتفكيك الروابط الاجتماعية ، ثانيها : مطالبته بوقف هذا السلوك ، ثالثها : الصبر على هذا الظلم ، جاء في فتح الباري : " ونقل ابن التين عن الداودي قال : الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم ، وجب ، وإلا فالواجب الصبر " ويمكن إضافة أمر رابع لما تقدم وهو مغادرة القطر الذي يحكمه حاكم ظالم ظلما شديدا ، وإنما لم يذكره العلماء لأن ذلك يستلزم ترك أرض الإسلام كلها والإقامة بين قوم كافرين ، وهو أمر محرم شرعا. 
       إن المحافظة على دماء المسلمين وعدم تفتيت لحمتهم الوطنية أهم عند الله مما سيجنونه من إيجابيات أي عمل يعود عليهم بنفع دنيوي إذا أسفر عن إراقة دماء وقطيعة اجتماعية ، فحرمة دم المسلم أعظم عند الله من حرمة الكعبة المشرفة ، روى الطبراني في المعجم الكبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة فقال : " لا إله إلا الله !! ما أطيبك وأطيب ريحك وأعظم حرمتك !! والمؤمن أعظم حرمة منك ، إِن الله عز وجل جعلك حراما ، وحرم من المؤمن ماله ودمه وعرضه ، وأن نظن به ظنا سيئا " وفي معرض ذم البغضاء التي تظهر بين المسلمين بما يكون من بعضهم من حرص على منافع دنيوية روى أحمد عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " دب إليكم داء الأمم قبلكم : الحسد والبغضاء ، والبغضاء هي الحالقة ، حالقة الدين لا حالقة الشعر ".
       إن فوائد أي عمل دنيوي ( مهما كثرت ) هي كارثة على المساهمين فيها إذا أسفرت عن إراقة دماء وقطيعة بينهم ، فكل من دعا إليها أو اشترك فيها أو أعان عليها قد يخلد في النار ، ومن لم يشترك في إراقة الدماء ونتج عن دوره قطيعة فقد حَلقَ حسناته كما يحلق شعره فلا يبقي منه شيء.
       وتنفيذ أوامر الحكومة المخالفة لتعاليم الإسلام حرام ، ولهم تنبيهها لأخطائها أو الاعتراض عليها فيها   أما إسقاطها بالقوة فمرفوض عند العلماء ، جاء في حاشية ابن عابدين : " فإذا صار إمامًا فجَارَ لا ينعزل إن كان له قهر وغلبة لعوده بالقهر فلا يفيد " إن عزلها بالقوة يجعلها ترد بقوة ، وذلك يفضي تلقائيا لتصادم قوى الفريقين ما يفضي إلى إراقة دماء المسلمين ، وهذا محرم ، وما أدى إليه فهو محرم ، وسواء كانت النهاية إسقاطها أو بقاؤها فكل من ساهم فيه آثم.
       وأضاف بعض العلماء شرطين آخرين علاوة على شرط السلامة من الفتنة والظلم ، أولهما : أن يتيقنوا أن من يخلفه سيلغي القوانين المخالفة للشريعة مع قدرته على ذلك ، والثاني : أن لا يشترك عامة الناس في عزله قال الجويني في غياث الأمم : " المتصدي للإمامة إذا عظمت جنايته ، وكثرت عاديته ، وفشي احتكامه واهتضامه ، وبدت فضاحته ، وتتابعت عثراته ، وخيف بسببه ضياعُ البيضة ، وتبدُّدُ دعائم الإسلام ، ولم نجد من نَصْبه للإمامة حتى ينتهض لدفعه حسب ما يدفع البغاة ، فلا نطلق للآحاد في أطراف البلاد أن يثوروا ، فإنهم لو فعلوا ذلك لاصْطُلِموا وأُبيدوا ، وكان ذلك سببا في ازدياد المحن وإثارة الفتن ، ولكن إن اتفق رجل مطاع ذو أتباعٍ وأشياع ، يقوم محتسباً آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر ، وانتصب لكفاية المسلمين ما دُفعوا إليه فليمض في ذلك قُدُماً ، والله نصيره على الشرط المقدم في رعاية المصالح والنظر في المناجح ، وموازنة ما يندفع ويرتفع بما يتوقع " تنبّهْ لقوله : ( فلا نطلق للآحاد في أطراف البلاد أن يثوروا ) إنه صريح في عدم تمكين العامة من عزل الحاكم ، أليس حقا أن إشراكهم في العزل يؤدي إلى فتن ومظالم ؟ !! إنهم حين يشتركون في ذلك سيطلبون أسلحة لمواجهته ، ومدهم بها عند حاجتهم لها سهل ، ونزعها منهم عند حاجة البلد لذلك أمر في غاية الصعوبة ، وشواهده كثيرة في الصومال والعراق وليبيا وغيرها.
       فتحصّل مما تقدم أن الحكومة الظالمة ظلما شديدا للناس معها أحد خيارات أربعة ، الخيار الأول : عزله بشروط ثلاثة ، الأول : مجمع عليه وهو الأمن من الفتنة والظلم ، والثاني والثالث ذكرهما الجويني أولهما : التأكد من أن من سيحل محله سيلتزم بتعاليم الإسلام ، وثانيهما عدم إشراك العامة في عزله والخيار الثاني : مطالبتها بوقف الظلم والخيار الثالث : الصبر على ظلمها وبقي خيار أخير لم يذكره أحد وهو ترك الوطن وإنما لم يذكره العلماء لأن الحاكم العام للمسلمين في عصورهم كان واحدا فمن يهاجر لن يجد أمامه إلا الإقامة بين الكافرين ، وهذا مخالف لتعاليم ديننا.
       ومن يشتركون في إسقاطها مع احتمال الفتنة والظلم يحملون وزر من يلقون مصرعهم ممن يقاتلون في صفه ، ولو من عامة الناس ففي الحطاب عن ابن محرز أنه قال في التبصرة " من شارك في عزل إنسان وتولية غيره ولم يأمن سفك دم مسلم فقد شارك في سفك دمه إن سفك ".
    الخلاصة 3 
     شدة ظلم الحكومة مبرر لإسقاطها شرعا ، شرط أن لا يترتب عليه سفك دماء ولا قطيعة بينهم.
    للموضوع بقية


    عدل سابقا من قبل حسن في الأربعاء يناير 28, 2015 7:36 pm عدل 2 مرات (السبب : وقوع أخطاء في الكلمات)

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 12, 2017 2:00 pm